أسعد السحمراني
31
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
والأحاسيس والغريزة والعاطفة . إن الإنسان ، بحكم تميّزه بالتعقّل والنطق ، يستطيع أن « يكوّن لنفسه فكرة عليا عن كلّ معين أو نمط خاص يحتذيه في سلوكه ، ويسعى جاهدا في سبيل صبغ حياته بصبغة معينة من النظام أو التنسيق . وما كان الإنسان موجودا أخلاقيا إلّا لأنه كائن عاقل يملك من الفكر والإرادة ما يستطيع معه تجاوز مستوى الغريزة والتسامي إلى مستوى السلوك الأخلاقي الحر » « 1 » . قبل اختتام البحث في هذه النقطة أريد أن أنبّه إلى مسألة هي : إذا كان الإنسان قد ميّز بالعقل ، فهذا لا يعني أنه سيكوّن نمطه الأخلاقي الكلّي من فراغ استنادا إلى هذا العقل بإطلاق العنان له ، لأننا في هذه الحالة نقع في محظور وقع فيه أغلب الفلاسفة عندما حاولوا وضع فلسفة أخلاقية بالاعتماد على جانب واحد من جوانب الشخصية كاللذة ، أو السعادة ، أو الاعتدال . . الخ . فالأمر عندنا لا يحتاج إلى هذه الإشكالية الفلسفية ، لأن اللّه تعالى قد أكرمنا بشريعته العادلة وفيها تكامل القيم ، ومنطلقات أي تفكير خلقي . وبالتالي أية فلسفة عملية تتعلّق بالأخلاق يجب أن تستنير بها ، وأن لا يخرج العقل والفكر عن ضوابطها حتى لا يحلّق بعيدا في عالم الأسطورة ، أو ينحدر في مهاوي مادّيّة قاتلة . ولعل أهمية الأخلاق المنطلقة من المعتقد الديني ، والملتزمة بضوابط الشريعة ، تكمن في أنها تحمل بالنسبة للمؤمنين معنى الالتزام ، وهذا أمر هام لأن القواعد الأخلاقية تكون عديمة القيمة وعاجزة إذا فقدت ميزة الإلزام ، فالالتزام من قبل الأفراد بقواعد الخلق السليم يحتاج إلى الإلزام الذي يشعر الفرد إزاءه بأنه محاسب على فعله ، فلنفسه ما كسبت وعليها ما اكتسبت . استنادا إلى موضوعي الإلزام والالتزام وأهميتهما في الأخلاق نقول بأن الدين وحده يعدّ « أهم مصادر الإلزام الديني والخلقي معا عند المؤمنين
--> ( 1 ) إبراهيم ، د . زكريا ، م . س ، ص 31 .